البحث

 

 

الرجعة ( الجزء 2 )

 

 

الدليل العقلي:
بعد ما ثبت بالدليل النقلي من الكتاب والسنة صحة الاعتقاد بالرجعة، فلا حاجة إلى البحث في الدليل العقلي الذي يعتبر من الادلة اللبية أي غير اللفظية. ولكن لالقاء الحجة على الخصم أولاً ومن ثم لاثبات ان الرجعة ثابتة بدليل العقل أيضاً ثانياً وعلى حد تعبير السيد محسن الأمين (قد):... أمر نقلي، إن صح النقل به لزم اعتقاده، وإلا فلا... .
وعليه فيمكن بيان النقاط التالية:
أولاً: يمكن اقامة الدليل العقلي على وجوب رجعتهم (ع) وذلك فيما اذا خلت الارض من الحجة ابن الحسن"عجل الله تعالى فرجه الشريف" بعد فرض عدم تجاوز عدد الأئمة عن اثني عشر إماما، وبدليل اللطف يظهر وجوب الاعتقاد عقلا برجعتهم (ع) لئلا تخلوا الارض من حجة بقطع النظر عن اخبار الرجعة .
ثانياً: بعدما ثبت بالعقل والنقل صحة عقيدة المهدوية في الاسلام وبما ان الرجعة تعد جانبا من الجوانب المكملة لفكرة المهدوية في الاسلام، واذا كانت الاديان السماوية قد آمنت بعودة بعض الانبياء (ع) .واشترك المسلمون سنة وشيعة من خلال اعتقادهم بأصل الفكرة المهدوية، فلا مانع من الايمان بالرجعة كجانب تأكيدي على ذلك الاصل وامتداد تفصيلي له .
ثالثاً: بعد ما ثبت المعاد الجسماني في النقل والعقل، وبما ان الرجعة نوع من المعاد لا يختلف عنه شيئاً، سوى ان الرجعة معاد دنيوي يكون في آخر الزمان لبعض الناس وهم أئمة الايمان ورؤوس الكفر، والمعاد رجعة أخروية شاملة لكل البشرية، وكل ما يؤتى به كدليل على امكان المعاد يعدُّ بنفسه صالحا لان يكون دليلا على امكان الرجعة . بل استقامة هذا الدليل في اثبات الرجعة اوضح من استقامته في اثبات المعاد، لان امر المعاد اعظم... بخلاف الرجعة .
رابعاً: ان حال الرجعة كحال غيرها من الامور الغيبية والتي لا يمتنع وقوعها، كإحياء الموتى للنبي عيسى (ع) وكرجوع اصحاب الكهف وغيرها من الامور الخارقة للعادة. واما عدم القدرة على تعقل او فهم النص لا يبرر رفضه او تأويله وعلينا ان نسلم بفحواه ما دام غير مخالف للقرآن والسنة الصحيحة والعقل.
خامساً: ان صحة الرجعة وثبوتها ووقوعها من اعتقادات اهل العصمة، وكل ما كان من اعتقاداتهم فهو حق، ولما ثبتت الصغرى بالاحاديث المتواترة والكبرى ثبتت بالادلة النقلية والعقلية فتكون الرجعة حق .
اثبات ضرورة الرجعة:
ان ضرورة الرجعة عند مذهب الإمامية قد ثبت عند جميع العلماء المعروفين والمصنفين المشهورين، بل يعلم العامة ان ذلك من مذهب الشيعة، فلا ترى احدا يعرف اسمه ويعلم له تصنيف من الإمامية يصرح بانكار الرجعة أو تأويلها، ومعلوم ان الضروري والنظري يختلف عند الناظرين، فقد يكون الحكم ضروريا عند قوم، نظريا عند اخرين، والذي يعلم بالتتبع ان صحة الرجعة أمر محقق معلوم مفروغ منه مقطوع به، ضروري عند اكثر علماء الإماميه أو الجميع... .ومما يدل على ان صحة الرجعة امر قد صار ضروريا ما يأتي نقله عن كتاب سليم بن قيس الهلالي الذي صنفه في زمان أمير المؤمنين (ع) الذي يقول فيه: حتى صرت ما أنا بيوم القيامة اشد يقينا مني بالرجعة . كما انه يمكن ان يضاف إلى ذلك ان العامة قد نقلوا في كتبهم عن الإماميه انهم قائلون بالرجعة وانكروا عليهم ذلك القول ونذكر منهم، الرازي والنيشابوري، والزمخشري والشهرستاني، وابن ابي الحديد وآخرين، فقد ذكروا ان الشيعة تعتقد صحة الرجعة، وانكروا عليهم ذلك، وهو دال على صحتها وانها من خواص الشيعة وضروريات مذهبهم .كما ان مخالفة الضروري تقدح في صورة علم المخالف بكونه ضروريا وايضا الاجماع القطعي إنما يضر في صورة علم المخالف بقطعيته، وذلك لانه ينجر إلى تكذيب قول من قوله الحجة من النبي (ص) والامام (ع) ، واما اذا لم يكن المخالف معتقدا لذلك، فلا دليل على قدح ذلك ايضافيه .وبهذا يمكن الدفاع عمن قال برجوع الاجسام في الرجعة من الشيعة. الرجعة في الفكر الإمامي:
كتب علماؤنا الاعلام قديما وحديثا عن الرجعة ونحن على اثارهم مقتدون.قال الشيخ الصدوق (قد): اعتقادنا في الرجعة انها حق وقد قال الله عز وجل: ] أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [. إلى ان قال- إن الرجعة كانت في الامم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة فيجب على هذا الاصل ان يكون في هذه الامة رجعة... .وفي هذا الصدد أيضاً يقول الشيخ المفيد (قد): ان الله تعالى يرد قوما من الاموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها فيعز فريقا ويذل فريقا ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين وذلك عند قيام مهدي آل محمد (ع) ، وأن الراجعين إلى الدنيا فريقان أحدهما من علت درجته في الايمان وكثرت اعماله الصالحات وخرج من الدنيا على اجتناب الكبائر الموبقات، فيريه الله عز وجل دولة الحق ويعزه بها ويعطيه في الدنيا ما كان يتمناه، والآخر من بلغ الغاية في الفساد وانتهى في خلاف المحقين إلى اقصى الغايات وكثر ظلمه لأولياء الله واقترافه السيئات، ينتصر الله تعالى لمن تعدى عليه قبل الممات ويشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من دوام الثواب والعقاب، وقد جاء القرآن بصحة ذلك وتظاهرت به الاخبار والإمامية باجمعها عليه... . وقال الشيخ الطبرسي (قد)في اثبات الرجعة عند الإمامية: وقد تظافرت الاخبار عن أئمة الهدى من آل محمد (ع) في ان الله سيعيد عند قيام المهدي قوما ممن تقدم موتهم من اوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضا قوما من اعدائه لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على ايدي شيعته والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته، ولا يشك عاقل ان هذا مقدور لله غير مستحيل في نفسه وقد فعل الله ذلك في الامم الخالية ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره... .
المعاد الجسماني:
هو اعادة الانسان في يوم البعث والنشور ببدنه بعد الخراب، وارجاعه إلى هيئته الاولى بعد ان يصبح رميما، واتفق المسلمون قاطبة على اثباته وذهب الفلاسفة إلى نفيه وقالوا بالروحاني (أي المعاد العقلي فقط) وان الطريق لاثبات المعاد الجسماني له طريقان المنقول والمعقول. اما المنقول فاعلم انه قد ثبت بالنقل المتواتر عن الانبياء (ع) العلم بوقوعه، فوجب القطع بذلك، لأن الصادق إذا اخبر عن وقوع أمر ممكن الوقوع وجب القطع به...
واما المعقول فمن وجهين:
احدهما لو لم يكن الحشر والنشر حقا لبطل الثواب والعقاب المستحقان بالطاعة والمعصية والاحسان والاساءة، لكن اللازم باطل فالملزوم باطل كذلك.بيان الملازمة: إنا نرى المطيع والعاصي يدركهما الموت من غير ان يصل إلى احد منهما ما يستحقه من ثواب او عقاب، فان لم يحشرا ليوصل إليهما ذلك المستحق لزم بطلانه اصلا.واما بطلان اللازم: فلأن ذلك ظلم لا يجوز على الصانع الحكيم، وقد اكد الله تعالى هذه الحجة بآيات من القرآن، كقوله تعالى: ] إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [. وقوله تعالى: ] وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا... [.
الثاني: أن يقال: إنه تعالى خلق الخلق إما للراحة او للتعب والألم اولا لواحد منهما، والثاني باطل لقبحه وامتناعه من الغني الحكيم الرحيم، والثالث باطل لكونه سفها وعبثا يمتنع من الحكيم أيضا، فبقي ان يقال إنما خلقهم للراحة وهي إما ان تصل اليهم في الدنيا، وهو باطل لان كل ما يعتقد في الدنيا لذة فانما هو دفع للألم، كالذي يظن من لذة الأكل فإنما هو دفع ألم الجوع.... فاذن ليس المقصود من خلق الانسان ايصال الراحة اليه في الدنيا، فلا بد من القطع بوجود لذة اخرى وعالم آخر تحصل فيه الراحة التامة التي تستحقر في الوصول اليها هذه الآلام، وتلك هي الدار الآخرة في المعاد الجسماني .
الاعتراض على المعاد الجسماني:
اعترض الفلاسفة على المعاد الجسماني وتقرير قولهم إن أنسانا لو أكل آخر واغتذى باجزائه فإن اعيدت أجزاء الغذاء إلى الأول عدم الثاني وإن اعيدت إلى الثاني عدم الأول وايضا ما ان يعيد الله تعالى جميع الاجزاء البدنية الحاصلة من أول العمر إلى آخره او القدر الحاصل له عند موته والقسمان باطلان... أما الاول فلأن البدن دائما في التحلل والاستخلاف... وانه قد يتحلل منه اجزاء تصير اجساما غذائية ثم يأكلها آخر فتصير من جسمه. واما الثاني فلانه قد يطيع العبد حال تركبه من اجزاءهم تتحلل تلك الاجزاء ويعصي في اجزاء اخرى فإذا اعيدت تلك الاجزاء بعينها واثابها على الطاعة لزم ايصال الحق إلى غير مستحقه والجواب عنها: ان لكل مكلف اجزاء أصلية لا يمكن ان تصير جزءاً من غيرها وهي باقية من اول العمر إلى آخرة. كما انه يمكن ان لا تصير الاجزاء الاصلية من المأكول جزءاً للأكل، وعلى تقدير صيرورتها جزء له لعلها تصير جزءا فضليا له وعلى التقديرين لا يلزم اعادتها معه .اما مذهب المليين من المسلمين والنصارى واليهود فهو ان يعاد الروح إلى الجسد الاصلي وقد اختلفت كلمات الفلاسفة في كيفية الجسد المعاد هل ان المعاد من جانب البدن هو هذا البدن بعينه او مثله وكل من العينيه او المثليه ايكون باعتبار كل واحد من الاعضاء والاشكال والتخاطيط ام لا ؟ والظاهر ان هذا الأخير لم يوجبه أحد، بل كثير من الاسلاميين مالوا إلى الاعتقاد بان البدن المعاد غير البدن الاول بحسب الخلقه والشكل، وربما يستدل عليه ببعض الاخبار المذكورة فيها صفات أهل الجنة والنار ككون أهل الجنة جردا مردا، وكون ضرس الكافر مثل جبل احد، وبقوله تعالى: ] كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [.
شبهة التناسخ:
وقد ترتب على هذه الاشكالات في المعاد الجسماني شبهة التناسخ التي هي عبارة عن: انتقال النفس من بدن إلى آخر منفصل عن الاول.وقد تصور البعض ان الرجعة من قبيل التناسخ المحال عقلا كما ادعى صاحب كتاب الشيعة والتصحيح حيث قال: ان فكرة الرجعة مقتبسة من فكرة التناسخ التي جاء بها فيثاغورس ولها انصار اليوم وإن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة لعلهم كانوا من المتأثرين بالفلسفة الفيثاغورية وادخلوا الفكرة في المذهب.
الاجابة عن الشبهة:
وقد اجيب عنه بان التناسخ انتقال النفس من بدن إلى آخر منفصل عن الأول أي ان الموضوع في التناسخ متعدد، أما الرجعة فهي عبارة عن معاد جسماني معناه رجوع نفس البدن الاول بمشخصاته النفسية، والفرق بين المعاد والرجعة، ان الرجعة عود ورجوع مؤقت إلى الدنيا والمعاد عود ورجوع في الآخرة .كما يمكن ان يقال ان الموت هو قطع تعلق خاص هو تعلق التدبير والتصرف بين النفس والبدن، ويمكن بقاء تعلق ما غير هذا التعلق بين النفس والبدن وبينها وبين بعض اجزائه بعد الانحلال، كما يؤيد هذا الاحتمال بعض الاخبار المتعلقة بغسل الميت... .وقد نقل ابطال التناسخ جملة من علماء الطائفة كالشيخ الصدوق (قد)بقوله: والقول بالتناسخ باطل، ومن قال بالتناسخ فهو كافر لان التناسخ ابطال الجنة والنار .كما اجاب الشيخ الحر العاملي (قد)على الشبهة بقوله: أما اولاً: فلأنه تناسخ فإن التناسخ هو تعلق الروح ببدن آخر في الدنيا، وقد دلت النصوص المتواترة والاجماع على بطلانه، والعجب ان منكر الرجعة تخيل انها تستلزم التناسخ ثم وقع فيه.
وأما ثانياً: فللتصريحات الكثيرة السابقة بأنهم يخرجون من قبورهم، وأنهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وغير ذلك.وأما ثالثاً: فلأنه خلاف الظاهر، ولا موجب للعدول عنه (أي الظاهر). وأما رابعاً: فلأن الانسان عند تعلق روحه بذلك البدن إما ان يكون ذلك الانسان الاول اولا، فان كان الاول لزم ما تقدم من المفاسد التي ادعوها، وإن كان غيره لم يجز عقوبته بالضرب والقتل والإهانه والصلب والاحراق ونحو ذلك. لان هذا البدن لم يذنب، وايضا يلزم على قولكم ان يكون مكلفا إذا رجع إلى الدنيا وتعود المفاسد، واذا كان الانسان الثاني غير الاول لم تصدق احاديث الرجعة، واما عذاب البرزخ فلا نسبة له إلى عذاب الرجعة، وإنما هو عذاب للروح. وأما خامساً: فلأنهم هربوا من لزوم عود التكليف لو حكموا برجوع الروح إلى البدن الاول، وقد عرفت انه غير لازم بل يحتمل الامرين.
وأما سادساً: فلما مرت الاحاديث الدالة على انه يكون في هذه الامة كل ما كان في الامم السابقة حذوا النعل بالنعل والقذة بالقذة، ومعلوم ان الرجعة التي وقعت في تلك الامم مراراً كثيرة جدا لم تكن بالبدن المثالي قطع .
أقول المنكر ين للرجعة :
ان القول بالرجعة يعد عند أهل السنة من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها، وكان المؤلفون منهم في رجال الحديث يعدون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي... ويبدو انهم يعدونها بمنزلة الكفر والشرك قال في النهاية: الرجعة مذهب قوم من العرب في الجاهلية وطائفة من فرق المسلمين وأهل البدع والأهواء... .وقال الطبري: إن من العقائد التي روجها ابن سبأ عقيدة الرجعة عند ما قال لأهل مصر (العجب ممن يزعم ان عيسى يرجع ويكذّب بأن محمدا يرجع ، وقد قال الله عز وجل: ] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [ فمحمد احق بالرجعة من عيسى قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيه ).وبعد ما ثبت بالادلة القاطعة ان المدعو ابن سبأ اسطورة مختلقة لا أساس لها كما اثبته العلامة مرتضى العسكري في كتابه القيم (عبدالله بن سبأ واساطير اخرى) فلا داعي للرد على هذا الكلام.وقال ابو الحسن الاشعري: السبئية اصحاب عبد الله بن سبأ، يزعمون أن عليا لم يمت وأنه يرجع إلى الدنيا قبل القيامة فيملأ الارض عدلاً كما ملئت جورا.. ثم قال: والسبئية يقولون بالرجعة وأن الاموات يرجعون إلى الدني وذهب إلى ذلك الشهرستاني والسكسكي والمقريزي وغيره .
المستشرقون والرجعة:
ويؤكد هذه المزاعم المستشرق جولد تسيهر بقوله: وفكرة الرجعة ذاتها ليست من وضع الشيعة أو من عقائدهم التي اختصوا بها، ويحتمل أن تكون قد تسربت إلى الاسلام عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية .
رد المنكرين للرجعة:
ويمكن رد هذه الاقوال التي ليس لها اي اساس من الصحة بما يأتي:
1- ان الرجعة ليست من مبتدعات الشيعة او اليهود والنصارى كما يدعي هؤلاء وانما هي عقيدة اسلامية خالصة ذكرت في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة كما بيناه في تضاعيف هذا البحث.
2- ان الطبري وابن الاثير ذكروا ان عمر بن الخطاب أول من قال بالرجعة من الصحابة وهذا يدل على كذب هؤلاء المدعين بان عبد الله بن سبأ هو اول من قال به .
3- ان الشيعة يتبعون في عقائدهم وآرائهم الكتاب الكريم وأهل البيت (ع) وليس لهم علاقة قريبة او بعيدة بالسبئية التي اثبت المؤرخون اختلاقها وعدم وجودها الا في رؤوس هؤلاء.
أدلة منكري الرجعة:
استدل القوم على نفي الرجعة بالنصوص الاسلامية التي سنتعرض اليها ونردها بعونه تعالى..
1- قوله عز وجل: ] قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [.
وهو كما قيل صريح في نفي الرجعة لان المشركين يطلبون الرجوع للدنيا ليعملوا صالحا، فكيف يقول الشيعة ان الله سيعيد جماعة إلى الدنيا في دولة القائم المهدي (ع) .والجواب: ان هذه الآية عامة لجميع المكلفين والرجعة خاصة كما جاء في النصوص الاسلامية المختصة بالرجعة انه لا تشمل الا من محض الكفر ومن محض الايمان وهم أقلية بالنسبة إلى عامة المكلفين من الاولين إلى الآخرين ليكونوا عبرة لغيرهم لشدة ما كانوا عليه من الفساد والظلم والطغيان.وعلى هذا فان هذه الآية لا يمكن ان تكون دليلا على نفي الرجعة.
2- قوله عز وجل: ] أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ [.
وهو كما قيل دليل على عدم الرجعة بعد الموت.وجوابه: ان معنى الآية الم يعتبروا بكثرة المهلكين بامر الله من القرون الماضية وأنهم مأخوذون بأخذ الهي لا يتمكنون من الرجوع إلى ما كانوا يترفون فيه، وللقوم في مراجع الضمائر وفي معنى الآية اقوال اخر بعيدة عن الفهم... .فان الذوق العرفي لا يوافق على عود الضمير في (اليهم) إلى الرجعة وانما يكون رجوعه إلى قومهم الذي هو المنفي وعود الضمير إلى الرجعة المصطلحة يحتاج لمؤنة زائدة ويؤيد ذلك الآيات والروايات الواردة في الرجعة.
3- قوله عز وجل: ] وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [.
قيل انها تدل على نفي الرجعة وجوابه إنه لما اخبر الله نبيه بما يصيب أهل بيته بعده وادعاء من ادعى الخلافة دونهم اغتم رسول الله (ص) ، فانزل الله عز وجل: ] وَمَا جَعَلْنَالِبَشَرٍ ...[ أي نختبرهم... فأعلم ذلك رسول الله (ص) انه لابد ان يموت كل نفس .وقال النيسابوري: الخلد عند المعتزلة: الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع بدليل قوله تعالى: ] وَمَا جَعَلْنَا... [.وعند الاشاعرة الخلد: الثبات الطويل دام أم لم يدم، ولو كان التأبيد داخلا في مفهومة تكرار .وقال ابن حجر: والخلد البقاء الدائم بغير موت فلا يلزم من كون الارواح لا تفنى ان يقال صاحب تلك الروح خالد .
4- قيل كيف يجتمع القول بالرجعة مع قوله تعالى: ] َحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [.
وقد تصدى لرد هذه الشبهة صاحب كتاب الرجعة بقوله: ان القول بالرجعة لا يعارض هذه الآية، إذ تتحدث هذه الآية عن نوع خاص من الظالمين، وهم الذين اهلكوا في هذه الدنيا، ونالوا عقوبة سماوية فيها. أما الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا عقوبة ولا مؤاخذه فالآية ساكتة عنهم ولعل سكوتها عنهم يفيد نوعا من الامضاء لفكرة رجعتهم، او رجعة بعضهم، ممن يختاره الله للرجعة منهم
الرجعة في مفهوم عمر:
من الثابت كما ورد في امهات كتب التاريخ الاسلامي أن خبر وفاة الرسول (ص) لما انتشر بين المسلمين قال عمر بن الخطاب: من لفلانة وفلانة من مدائن الروم- إن رسول الله ليس بميت حتى نفتحها، ولو مات لا نتظرناه كما انتظرت بنو اسرائيل موسى!.وكان عمر يقول: إن رسول الله (ص) ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه اربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله (ص) فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات .وقد قيل بناءاً على هذا ان عمر بن الخطاب اول من قال بالرجعة في الاسلام.وهذه الدعوى توضح ان مفهوم الرجعة أمر مرتكز في الذهنية الاسلامية العامة آنذاك، لذلك طبق عمر هذا المفهوم المرتكز على رجعة النبي (ص) وعليه فلا مجال بعد للخصم ان يستنكر على الشيعة قولهم بالرجعة.
تأويل الرجعة:
ذكر الشيخ الطبرسي (قد): ان جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الاخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي، دون رجوع الاشخاص وإحياء الموتى، وأولوا الاحاديث الواردة في ذلك، كما ظنوا ان الرجعة تنافي التكليف، وليس كذلك، لانه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب والامتناع من القبيح.والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة، كفلق البحر، وقلب العصا ثعبانا وما اشبه ذلك، ولان الرجعة لم تثبت بظواهر الاخبار المنقولة فيتطرق اليها التأويل عليها، وإنما المعول في ذلك على اجماع الشيعة الإمامية وإن كانت الاخبار تؤيده وتعضده .
وعلق على هذا الكلام الشيخ الحر العاملي (قد)بقوله: ولا يخفى أن قوله في اول الكلام ( من الإمامية) ينبغي الا تكون فيه من تبعيضيه، بل هي بيانية، بدلالة التصريح في آخر الكلام بالاجماع من جميع الشيعة الإمامية، وإلا لزم تناقض الكلام ولم يعتبر من تأويل الاخبار، إما لكونهم معلومي النسب فلا يقدح خلافهم في الاجماع او كونهم شذاذا لا يعتبر قولهم أصلا او للعلم بدخول المعصوم في اقوال الباقين. او لكونهم من أهل التأويل الذي أولوا اكثر الشريعة، أو علما منه بأنهم اظهروا ذلك مراعاة للتقية، او لأنهم تأولوا بعض الاخبار، ولم يصرحوا بالإنكار ونفي الرجعة، لان اكثرها لا سبيل إلى تأويله بوجه، وقد أشار إلى ذلك بقوله ( أي الطبرسي) : إن الرجعة لم تثبت بظواهر الاخبار، فيتطرق اليها التأويل.ويضيف الشيخ الحر العاملي: ثم ان العلم بدخول المعصوم بالاحاديث الصريحة يوجب حجية الاجماع، ونقل مثل الطبرسي (للاجماع) حجة في مثل هذا... . وسياتي مزيد بيان عن الرد على هذه التأويلات.
استبعاد الرجعة:
وقد ذهب بعض العلماء إلى استبعاد الرجعة بقوله: يحدثنا الشيخ المفيد عن اختلاف علماء الإمامية في تفسير معنى الرجعة التي اتفقوا عليها من حيث المبدأ، فقد كان جماعة من الشيعة يؤولون الاخبار الواردة في الرجعة إلى رجوع الدولة ورجوع الأمر والنهي إلى الأئمة (ع) والى شيعتهم واخذهم بمجاري الامور دون رجوع اعيان الاشخاص... واذا كان محققوا الشيعة قد رفضوا هذا التأويل لعدم لزوم محال عقلي في هذا الموضوع، فإننا نتصور أن هؤلاء القوم لم ينطلقوا في تأويلهم من الاستحالة العقلية، لان الرجعة ليست اشد صعوبة من البعث، ولكنهم انطلقوا من الفكرة التي تثير التساؤل حول ضرورة ذلك، فإذا كان المقصود الانتصاف للمظلومين من الظالمين وغلبة المحقين على المبطلين، فإن ذلك حاصل يوم القيامة، وإذا كانت القضية هي اظهار الحق على الباطل، وبسط العدل في الكون فإن وجود الدولة المهدية الشاملة كفيل بذلك، واذا كانت المسألة تحقيق الامنيات في دولة الحق للمؤمنين وشفاء غيظهم من معاصريهم من المبطلين فيما يمكن ان تحققه الرجعة من حصول الاماني وشفاء الغيض، فإن يوم القيامة يحقق ذلك بأعظم ما يحدث من خلال الرجعة لانه يتصل بالمصير الابدي في النعيم والشقاء، إن المسألة ليست مرتبطة بالامكان والاستحالة، بل هي مرتبطة بالمبررات العملية الواقعية في ضرورة ذلك مما يجعل التأويل اكثر قربا للالتزام بالاحاديث من ابقائها على ظاهرها، لاسيما عند مواجهة التحديات الفكرية في هذه المسألة... .الرد على الاستبعاد:
ويمكن الرد على هذا الاستبعاد بان قضية الرجعة كغيرها من القضايا الاسلامية التوقيفية لا يمكن الوصول إلى كنهها وحقيقتها، وان كان يمكن التوصل إلى بعض وجوه فوائدها وحكمها.وان ما ذكروه من اوجه الحكمة قد يكون مقبولا من جهة ومرفوضاً من جهة اخرى، ومع الاغماض عن ذلك لو قلنا بصحة الوجوه المذكورة، لم تصلح ان تكون معارضة للكتاب والسنة والاجماع والعقل فتأمل.
كما اننا اذا اردنا اخضاع القضايا الغيبية لحكم العقل فهذا غير ممكن وستكون النتيجة انكار المسلمات والبديهيات كافة، - وعلى هذ المنوال– أي منوال الاستبعاد – نناقش مسألة الغيبة للامام المهدي (ع) ونتساءل ما هي حكمة الغيبة أليس بمقدور الله تعالى ان يجعل الأمر للامام دون هذه المعاناة التي يلاقها الامام (ع) في غيبته فضلاً عن محنة شيعته كذلك.كما ان الرجعة لم تثبت بظواهر الاخبار المنقولة فتطرق التأويلات عليها، وكيف يثبت ما هو مقطوع على صحته بأخبار الآحاد التي لا توجب العلم!، وانما المعول في اثبات الرجعة على اجماع الإمامية على معناها، بأن الله يحي امواتا عن قيام القائم (ع) من اوليائه واعدائه، فكيف تطرق التأويل على ما هو معلوم فالمعنى غير محتمل .الرجعة في فكر السيد الشهيد الصدر:
وقد ذكر تلميذة البارز السيد كاظم الحائري نظرية استاذه في الرجعة قائلا:ويوجد لاستاذنا الشهيد (قد)تفسير خاص لفكرة الرجعة... ولكنه كان (قد)يذكره على شكل احتمال ونظرية غير ثابتة الصحة، ولم يذكره (قد)كتفسير يقيني الصحة وجزمي الثبوت.ومحتوى هذه النظرية: ان الرجعة قد لا تعني رجوع اولئك الموتى من عالم البرزخ إلى عالمنا رجوع القهقرى، بل الامر بالعكس... اذ ان عالمنا هو الذي قد يرتقي ويقترب إلى العالم الاخروي، فتقل بسبب هذا الاقتراب سعة الحاجب الموجود بين العالمين، وحينئذ فان التعايش مع بعض اولئك الذين هم في عالم البرزخ وعالم الآخرة، سيكون ممكناً .وقد اضاف السيد الحائري قائلاً: وقد طرح استاذنا الشهيد (قد)هذا الرأي لانه كان يقدّر على نحو الاحتمال بان عالمنا فقط هو عالم المادة، اما العوالم الاخرى– عالم البرزخ وعالم القيامة وعالم الجنة والنار– فانها ليست بعوالم مادية، وانما هي ما وراء المادة (عوالم ارواح)... ولهذا فان رجوع الموتى، حينئذ يعين رجوعهم من عالم أسمى إلى عالم ادنى، ومن درجة أرفع إلى درجة اوضع، وهذا الرجوع قهقري، فلا يقع..
المعاد الجسماني في فكر الشهيد الصدر:
ويضيف السيد الحائري قائلا: كما انه (قد)كان يقول– كاحتمال ايضا – بان المعاد الجسماني الذي ورد في الروايات والآيات– وكما نعتقد به– قد لا يكون بخصيصته المادية، بل ربما يكون فاقداً لها، لان هذا الميت قد خلع ثوب المادة وذهب إلى عالم اسمى، فلا يعود القهقرى إلى عالم المادة، بل يبقى في عالمه. وسوف ينتهي عالم المادة في يوم القيامة، ويصبح – باجمعه– عالما غيبيا. وباقتراب الزمان من موعد يوم القيامة يقترب الناس إلى عالم الآخرة. وبالرغم من انه ساعة الصفر– ساعة النفخ في الصور– تأتي فجأة، إلا ان الاقتراب بين عالم المادة وعالم الغيب ليس بدفعي وانما هو تدريجي.عندما يقترب عالم المادة من عالم الغيب فان الحاجز الموجود بين العالمين سيصبح خفيفا ورقيقا، بحيث يمكن لافراد عالم المادة ان يتعايشوا مع بعض افراد عالم الغيب، ويصبح التعايش بين الماديين والغيبيين ممكنا إلى حد ما وعلى مستوى معين، فيصبح– بهذا الاعتبار– ان نقول بان قسما من الموتى قد رجع إلى الحياة الدنيا، ويصح ان نسمي حالة التعايش تلك باسم ( الرجعة ).
ويعلق السيد الحائري على هذه النظرية قائلا:
هذه النظرية التي كان يطرحها السيد الشهيد الصدر (قد)– كاحتمال – وان كان يؤيدها ببحث فلسفي وعقلي، لكنها ما زالت لا تحمل مؤيدات مما بايدينا من آيات وروايات، بل اننا نرى بان معنى الرجعة لابد وان يكون هو نفس المعنى المعروف من رجوع الأئمة (ع) وقسم من المؤمنين وقسم من الكفار بوجوداتهم المادية وذلك لسببين رئيسيين:
الاول: ان ما احكمه استاذنا الشهيد (قد)من ان المعاد الجسماني سيكون عبارة عن رجوع الجسم بشكله الغيبي الفاقد لخصيصته المادية– ان صح التعبير– هو خلاف ظواهر الآيات والروايات... وان تفسيره لغيب يوم القيامة بمعنى (انه فوق المادة) غير واضح من القرآن الكريم وليس ببارز من الآيات المباركة. بل ان الذي يظهر من بعض الآيات هو خلاف ذلك... ومن تلك الآيات.
1- قوله تعالى: ] أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ [.
فالله سبحانه وتعالى يخبرنا في هذه الآية الكريمة بانه قادر على اعادة ادق اجزاء بدن الانسان وهو (البنان).فظاهر الآية الكريمة– اذن– هو ان هذه العظام نفسها هي التي تجمع، وان هذا البدن نفسه هو الذي يعاد، بل ان فيها اشارة إلى ان الله تعالى سيحتفظ بمنتهى الدقة الموجودة في خلق الانسان... كدقة البنان مثلا.
2- قوله تعالى: ] وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [.حيث انه ظاهر ايضا في ان الاحياء سيكون بشكله المادي... .
مناقشة اطروحة السيد الشهيد الصدر:ان ما ادلى به السيد الشهيد من احتمال على فكرة الرجعة فيه وجوه للمناقشة ولو على المستوى النظري على الأقل، ويمكن تفسير التقارب المقصود في كلامه بالتقارب بين عالمي الغيب والشهادة– واقصد بعالم الغيب البرزخ وعالم الشهادة عالم حدوث الرجعة- وهذا ليس بعزيز، وما قصة اصحاب الكهف والرقيم الا شاهد على هذا التقارب والتفاعل بين العالمين مع الاخذ بنظر الاعتبار الاختلاف في الزمان والمكان والاشخاص.واذا كان هذا واقعا خارجا فلا ضير في تصوره ولو على بالمستوى النظري على الاقل فضلا عن امكان حصول هذا التقارب في المستقبل نظرياً.
اشكال ورد:
فان قلت ان رجوع اصحاب الكهف من العالم الاسمى إلى العالم المادي هو رد على نظرية السيد الشهيد من استبعاده للرجوع القهقرى من العالم الأسمى إلى العالم الادنى. قلت ان الرجعة بما تمتلكه من رصيد مادي ومعنوي وما تحتويه من ارهاصات التغيير المتمثل بقطع دابر الظلم الواقع على الاسلام وحاملي افكاره والمتمثل بأهل البيت (ع) واتباعهم منذ بدأ الرسالة الاسلامية حتى ظهور الامام المهدي (ارواحنا فداه) تختلف اختلافا جوهريا عن الذي جرى ويجري على أهل الكهف وان كان يتفق مع بعض المظاهر الخارجية وعليه فما جرى لأهل الكهف من الطاف غيبيه هي اقل مما يحدث ويتحقق في عصر الظهور والرجعة من نزوع وبسط للحق والعدل من خلال الاحداث العظيمة التي تحدث في تلك الفترة من، اخذ للثأر من الظالمين وهذا يستدعي خروجا عن النواميس الطبيعية من خلال هذا التمازج الرائع بين عالمي الشهادة والغيب تنفيذاً للارادة الآلهية القاضية برجوع الحق إلى أهله وان كان على خلاف العادة الجارية.
السيد الطباطبائي والرجعة:
وفي معرض تعرضه إلى الرجعة قال السيد الطباطبائي... وهذا يفيد ان يوم الرجعة من مراتب يوم القيامة وان كان دونه في الظهور لامكان الشر والفساد فيه في الجملة دون يوم القيامة .ولا يخفى ان دعوى السيد الطباطبائي: بان الرجعة من مراتب يوم القيامة لا بدوان تقوم على اساس التصرف بمعنى (مراتب) الواردة في قوله والا سيكون يوم القيامة هو يوم حدوث الرجعة وهو مخالف لظاهر الآيات الشريفة والروايات الكثيرة عن أهل بيت الرحمة (ع) ، ويمكن ان يكون المعنى بمثل يوم القيامة او اشبه بيوم القيامة من حيث الاحداث والانقلابات التي تجعل الولدان شيبا. كما ان قوله (دونة في الظهور) دليل على المغايرة وخصوصا ما يحتويه هذا اليوم من امكان الشر والفساد في الجملة كما ذكره.كما يمكن المناقشة في قوله (يوم الرجعة) فان الرجعة باحداثها وشخوصها لا يمكن حصرها بيوم الا على القول ان المراد باليوم الاحداث العظيمة والجسيمة، كما هو ظاهر لدى المتمرسين لاحوال اللغة العربية. والمضنون قويا ان مراده هو التوفيق بين قول المشهور برجوع الاجسام وقول البعض برجوع دولة الحق. ونختم هذا الموضوع بما صرح به السيد الطباطبائي بقوله:... والروايات المثبتة للرجعة وان كانت مختلفة الآحاد إلا أنها على كثرتها متحدة في معنى واحد وهو أن سير النظام الدنيوي متوجه إلى يوم تظهر فيه آيات الله كل الظهور، فلا يعص فيه سبحانه بل يعبد عبادة خالصة لا يشوبها هوى نفس ولا يعتريه إغواء الشيطان ويعود فيه بعض الأموات من اولياء الله واعدائه إلى الدنيا ويفصل الحق من الباطل، وهذا يفيد ان يوم الرجعة من مراتب يوم القيامة... .
تساؤلات في الرجعة:
أولاً: على القول بالرجعة يحتمل بمن يرجع عند رجوعه التوبة والانابة فيحنئذ ينقلب العقاب الذي كان متوجها إلى ثواب فتجب حينئذ ولا يتهم.
وجوابه: ان الرجعة لا تشمل جميع الناس حتى يرد هذا الايراد، وانما هي تختص بمن محض الكفر ومحض الايمان وهم اقلية بالنسبة إلى عامة المكلفين، وعليه فان رجوع البعض بالتوبة والانابة لا يشمل هؤلاء المتمحظين بالكفر والايمان، وان كان العقل لا يمنع من ايمان بعضهم عند رجوعهم ولكن الراويات الواردة عن طريق أهل البيت (ع) والتي تدل على القطع بخلودهم في النار، والتدين بلعنهم والبراءة منهم إلى اخر الزمان كل هذا منع من الشك في حالهم، وهم في ذلك كقوله تعالى: ] وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [.كما ان رجوع من محض الكفر إلى الدنيا ليس من اجل ان يكلفهم بتكليف جديد بل هو استمرار لعملية التعذيب، فلا يقبل لهم توبة وحالهم حال فرعون عندما ادركه الغرق فرد عليه الله سبحانه بقوله: ] آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [. فايمان فرعون لم ينفعه في تلك الحالة كما هو حال أهل الآخرة.
ثانياً: ان الذين يرجعون للدنيا ربما يهمون مجددا إلى المعاصي او ليس هذا اغراء بالقبيح.
وجوابه: هذا التساؤل بعيد عن مفهوم وحال أهل الرجعة من الفريقين فهم راجعون للاقتصاص منهم وهم في حال ذل وهوان، كما ان الدواعي إلى المعاصي مرتفعة لان الامر شديد وهو كما صوّر كيوم القيامة من حصول الاماني وشفاء الغيظ من هؤلاء المرده والشياطين. وعليه لا يمكن المصير إلى ما صوروه باي حال من الاحوال.
ثالثاً: ان عقيدة الرجعة أدت إلى ظهور اليهودية في التشيع، وهذا ما قاله أحمد أمين في كتابه (فجر الاسلام). وجوابه: ان ظهور معالم ديانة سابقة في ديانة الاسلام امر من مقررات العقيدة الاسلامية، لان الاسلام إنما نسخ العمل بالديانات السابقة، أما الجانب العقائدي فعنصر ثابت مشترك بين كل الديانات، والاسلام هو التعبير الاكمل عنها جميعا. فمجرد كون عقيدة في ديانة سابقة قد ظهرت في المعتقدات الاسلامية ليس عيبا في الاسلام، هذا لو فرض أن الرجعة من آراء اليهودية، كما يدعيه هذا الكاتب، فالاعتقاد بالتوحيد والنبوة والبعث والنشور والحساب والجنة والنار هي عقائد مشتركة بين الاديان كلها، وإنما يكون في الامر عيب استعارة معتقدات باطلة ادخلها اليهود او النصارى... .
 

قسم شبهات وردود
مؤسسة الغري للمعارف الاسلامية