الغلو في حق عمر :
وکما هو معلوم أن الخليفة الثاني هو الذي عقد البيعة لأبي بکر ظلما وجورا
علی أهل البيت (ع)، ولعلمه بان أبا بکر يجعل الخلافة فيه من بعده. وفي هذا
الصدد قال طلحة وليتّه أمس وولاك اليوم، فکيف يسمع کلامه في کيفية خلافة
أبي بکر مع ما اشتمل عليه من الأکاذيب الظاهرة. وناهيك في ذلك ما قال ابن
أبي الحديد المعتزلي من مصححي خلافة الثلاثة أن عمر هو الذي وطأ الأمر لأبي
بکر و قام فيه حتی وقع في صدر المقداد وکسر سيف الزبير وکان قد أشهر سيفه
عليهم ). وهو القائل: ألا تعجبون من إمام أخطأ و امرأة أصابت ؟! ناضلت
إمامکم فنضلته ). وفي رواية (أنه- أي عمر- قال : کل أحد أعلم من عمر،
تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا تنکرونه علي حتی ترد علي امرأة ليست اعلم
من نسائکم ؟!). أقول إن هذا كما هو معلوم ليس من تواضع العلماء وإنما من
اعترافه بالعجز أمام هذه المرأة ليس إلا، وهذا القول ليس من باب التحامل
عليه.وقال الغزالي: قال النبي (ص)إن منکم لمحدثين، وإن عمر لمنهم ).أقول
وفيه اعتراف بأنه من الملهمين ومن هذا رد على المتقولين الذين يرمون إتباع
أهل البيت بالغلو في أئمتهم. وقال الشاطبي: عمل الصحابة بالفراسه والکشف
والإلهام والوحي النومي، کقول عمر، وهو في المدينة يخاطب ساريه بن حصن وهو
في إيران بقوله:(يا سارية الجبل) وقد سمع سارية الصوت و صعد الجبل ).وعلق
علی هذا الشيخ محمد جواد مغنيه: إذا قيل بأن عمر علم الغيب وإن له ملکا
يحدثه فلا غلو، وإذا قيل بأن الأئمة من أهل البيت (ع)يقولون الحق ويعرفون
علوم الکتاب والسنة فکفر وغلو ). ومما يؤسف له حقا صدور أمور مصيرية وخطيرة
من قبل الخليفة الثاني ساهمت في تصدع جسد العالم الإسلامي، نعرض لها
باختصار:
أولاً: إلغاء تدوين الحديث النبوي وذلك لأجل طمس المعالم الواضحة التي تشير
إلى أتباع القيادة الشرعية المتمثلة بأهل بيت الرحمة (ع)مما ساهم في تفريق
و تمزيق شمل الأمة الإسلامية.ثانياً: جعل الأحكام الشرعية عرضه للأهواء مما
تسبب في إلغاء بعض الإحكام الإسلامية وتغيير بعضها کالتلاعب في الآذان
وتحريم متعة النساء والحج......الخ.
ثالثاً: تسليط بني أمية على رقاب المسلمين.
حيث لا يختلف اثنان أن ما قام به الخليفة الثاني من تسليط معاوية على رقاب
العباد والبلاد وما نتج عنه من قيام معاوية من تغيير للمعالم الإسلامية في
فترة حکمه کان سببا أساسياً لنشأة التيارات الغالية و الحرکات المنحرفة علی
مر التأريخ الإسلامي.
وهذا المؤرخ المقريزي يصرح قائلا:( فإني كثيراً ما کنت أتعجب من تطاول بني
أميه إلی الخلافه مع بعدهم من جِذْم رسول الله (ص)وقرب بني هاشم ).إذ کما
هو معلوم ليس لبني أميه سبب إلی الخلافة، ولا بينهم، وبينها نسب إلا إن
يقولوا :إنا من قريش متساوون في هذا الاسم مع قريش الظواهر، لان قوله (ص) (
الأئمة من قريّش ). واقع علی کل قرشي. أضف إلی ذلك عداوة أبي سفيان للنبي
(ص)ومحاربته له و عرفنا أسلامه وکيف اسلم. وکيف اکلت زوجته هند کبد عم
النبي (ص)حمزة بن عبد المطلب´وکيف شفوا غليلهم بقتل الحسين (ع)ريحانة رسول
الله (ص)وقتلوا أهل بيته وأصحابه النجباء وسبوا نساء بيت النبي (ص)، وما
جرّه هذا المقتل من تداعيات علی مسارات ومشاعر الأمة الإسلامية لازالت
آثارها ماثلة للعيان.
الغلو في عثمان:
بالرغم من عدم حصول عثمان على الدعاية التي حصل عليها الشيخان إلا أن جعله
خليفة للمسلمين وتفضيله على أمير المؤمنين (ع)يعتبر هذا غلواً في شخص كان
خليفة للأمويين خاصة، وسنذكر بعض أفعاله لكي لا يبقى لقائل مقال.
حكم عائشة على عثمان:
فقد ذكر الطبري وأبن الأثير أن عائشة كانت تسمي عثمان (نعثلاً) وتقول:
أقتلوا نعثلاً فقد كفر، ولذا خاطبها أبن أم كلاب:
فمنك البداء ومنك الغير
ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام
وقلت لنا أنه قـد كفـر
وذكر أبن قتيبة أن عائشة كانت تقول: أقتلوا نعثلاً فقد فجر وقال إبن أبي
الحديد: قال كل من صنف في السير والأخبار: إن عائشة كانت من أشد الناس على
عثمان، حتى إنها أخرجت ثوباً من ثياب رسول الله (ص)فنصبته في منزلها، وكانت
تقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول الله (ص)لم يَبْلَ، وعثمان قد أبلى سنته
.قال الفيروز آبادي: ونعثل كان شيخاً أحمق طويل اللحية في المدينة شبه به
عثمان .وقال ابن الأثير: وكان أعداء عثمان يسمونه نعثلاً، وفي حديث عائشة:
اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً، وتعني عثمان .ولذا فقد كان من أهم الأسباب
الأخرى في قتل عثمان (إضافة إلى أسلوبه في الحكم الذي كان السبب الرئيسي في
تأليب الناس عليه وقتله على يد الصحابة وباقي مسلمي مصر والمدينة) هو ما
قالت به عائشة من تحريض الناس ضده وأمرها الصريح بقتله. ذلك القتل الذي
اتخذه كل من عائشة وطلحة والزبير فيما بعد مبرراً للخروج على الإمام علي
(ع)وإشعال حرب الجمل، واتخذه معاوية وعمرو بن العاص ذريعة لإشعال نار
الحروب ضد أمير المؤمنين (ع)في صفين وتحريك الناس ضده واتهامه بقتل عثمان .
عثمان أول خلفاء بني أمية:
أورد المؤرخ الشهير ابن أبي الحديد تحت عنوان (نتف من أخبار عثمان بن
عفان): وثالث القوم هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن
عبد مناف. بايعه الناس بعد انقضاء الشورى واستقرار الأمر له، وصحت فيه
فراسة عمر، فإنه أوطأ بني أمية رقاب الناس، وولاهم الولايات وأقطعهم
القطائع، وفتحت إفريقيا في أيامه، فوهب كل خمسها لمروان، وطلب منه عبد الله
بن خالد بن أسيد (صهره الآخر) صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم، وأعاد الحكم
بن العاص وأعطاه مائة ألف درهم، بعد أن كان رسول الله (ص)قد طرده ثم لم
يرده أبو بكر ولا عمر، وأعطاه مائة ألف درهم.وتصدق رسول الله (ص)بموضع سوق
بالمدينة يعرف بمهزور على المسلمين، فأقطعه عثمان إلى الحارث بن الحكم أخا
مروان بن الحكم. وأقطع مروان فدك وقد كانت فاطمةIطلبتها-بعد وفاة أبيه (ص)-
تارة بالميراث، وتارة بالنحلة فدفعت عنها . وحمى المراعي حول المدينة كلها
من مواشي المسلمين كافه إلا عن مواشي بني أمية.وأعطى عبد الله بن أبي سرح
(أخوه من الرضاعة) جميع ما أفاء الله عليه من فتح غرب أفريقيا- وهي من
طرابلس الغرب إلى طنجه- من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين، وأعطى أبا
سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال، في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن
الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوجه أبنته أم أبان، فجاء زيد بن
أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح، فوضعها بين يدي عثمان وبكى، فقال عثمان:
أتبكي أن وصلت رحمي؟ قال: لا، ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضاً
عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله (ص). والله لو أعطيت مروان
مائة درهم لكان كثيراً، فقال: ألقي المفاتيح يا أبن أرقم، فإنا سنجد غيرك.
وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة، فقسمها كلها في بني أمية، وأنكح
الحارث بن الحكم أبنته عائشة، فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضاً بعد صرفه
زيد بن أرقم عن خزنه أقول ان الانصاف يقتضي ان لا نجعل امثال هؤلاء
يتطاولون على المقام السامي لائمة أهل البيت (ع).
الأمويون رعاة شجرة الغلو الخبيثة :
لم يكتفي الأمويون بهذه الأعمال المشينة، بل راحوا يطلقون الألقاب التی
تطلق علی أهل بيت الرحمة (ع)علی ملوکهم کما جاء فی رسالة وجهها الحجاج
لسيده عبد الملك بن مروان قائلاً: ( لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين
وخليفة ربّ العالمينّ، المؤيد بالولاية، المعصوم من خطل القول وزلل الفعل
بكفالة الله الواجبة لذوي أمره ) وقال روح بن زنباع الجذامي لأهل المدينة :
إناّ لا ندعوكم إلى لخم وجذام وكلب، ولكنا ندعوكم الى قريش ومن جعل الله له
هذا الامر واختصّه به، وهو يزيد بن معاوية . ومن سبر التاريخ الإسلامي يجد
أن عبادة الفرد بدأت بتولي معاوية السلطة في عهد الخليفة الثاني، وذلك
عندما جعل موارد الدولة الإسلامية في خدمة أغراضه وأهوائه الدنيوية وكان من
نتائجها إقبال طلاب الدنيا وآكلي السحت الحرام عليه وتزيينهم أعماله للسذج
والضعفاء.
لكي لا ننسى
ولا ننسى ما فعلوه بزيد الشهيد، وإلقاء رأسه في عرصة الدار تطأه الأقدام،
وتنقر دماغه الدجاج . وقتلوا يحيى بن زيد صبراً.وفوق كل هذا وذاك فقد هدموا
الكعبة، وجعلوا الرسول (ص)دون الخليفة، وختموا في أعناق الصحابة، وغيروا
أوقات الصلاة، ونقشوا اكف المسلمين ومنهم من أكل وشرب على منبر رسول الله
(ص)، ونهبت الحرم، ووطئت المسلمات في دار الإسلام بالبقيع في أيامه .وكما
هو معلوم وواضح لكل ذي عقل ان من يفعل واحده من هذه الجرائم البشعة يكون
خارجاً ومحارباً للإسلام والمسلمين بإجماع المسلمين فكيف بمن فعل ذلك وأكثر
من ذلك.
قاعدة الغاية تبرر الوسيلة :
ومن هنا يمكن القول أن معاوية ربما يكون أول من ابتدع قاعدة الغاية تبرر
الوسيلة، وعلى أساسها حطم القيم والمبادئ وانتهك الحرمات وأراق الدماء ونقض
العهود وغدر بالمسلمين وبدل أحكام الدين . وقال الشيخ محمود أبو ريه وهم
أحد علماء السنة: ومما لا خلاف فيه ولا نزاع، أن معاوية كان باغياً، وأنه
كان أول من هدم ركن الشورى في الإسلام وتبعه قومه، ومن أجل ذلك كثر كلام
الناس في الإنكار عليه وعلى قومه .وقال الدكتور طه حسين في حق معاوية:(
ومعاوية مطعون في دينه وقد كان في الجاهلية زنديقاً، وأصبح بعد الإسلام
طليق ).واخرج نصر بن مزاحم عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قالا: قال
رسول الله (ص)( إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه
). قال الحسن: فما فعلوا ولا افلحوا .
الجبر والإرجاء:
وفوق كل هذا وذلك وعندما استقر ملك بني أمية فكروا في شن حرب مسعورة وشرسة
بين الإسلام المحمدي الأصيل، والمتمثل بالقيادة الشرعية التي يمثلها أمير
المؤمنين (ع)وأولاده المعصومين (ع)والإسلام المرتكز على قرن الشيطان– الجبر
الذي يجعل الإنسان مسيراً في كل الحوادث الواقعة له خيرها وشرها، وأول من
قال به معاوية، ودعا إليه ودافع عنه .وبزغ قرن الشيطان الثاني– الإرجاء–
الذي هو تبرير واضح لاغتصاب حق الإمامة من أصحابها الشرعيين بوسائل التدليس
والاغتيالات.ويضيف الدكتور محمود إسماعيل بقوله: إن شيوخ هذا المذهب خصوا
برعاية الأمويين الأوائل وأقاموا إلى جانبهم في عاصمتهم دمشق .ويقول
العلامة هاشم معروف الحسني: فكان الجبر والإرجاء سلاحين فتاكين، وإن صح
تعبيري فهما حرب جرثومية على الأمة وطمس معالم الإسلام الصحيح، وتحجيم دور
الأئمة داخل الشعب المسلم الذي لم يطلع على الإسلام الحقيقي أبداً. أضف إلى
ذلك سلاح التصوّف الذي لجأ فيه المتدينون ظاهراً إلى المغارات والكهوف،
وتركوا الحكام يعيثون بالأرض فساداً، وبدأ هنا الإسلام باستيراد الأفكار من
الهند والصين وفارس .
الغلو في الصحابة :
وقد نتج عن هذه الانحرافات الكثير من المفاسد الاجتماعية والأخلاقية في
المجتمع الإسلامي فكما ساند الأمويون الجبرية والمرجئة، فقد ابتدعوا وأيدوا
نظرية (عدالة الصحابي) الذي لا يحق لأحد الرد عليه، والراد عليه كالراد على
رسول الله (ص)، والراد على رسول الله كالراد على الله، وهكذا حتى وصل الأمر
إلى كفر من يرد على الصحابي، وإخراجه من دائرة الإسلام باسم عدالة الصحابي
الذي منحه معاوية وأنصاره ومريدون حصانة دبلوماسية يتحرك فيها داخل المجتمع
الإسلامي . وكما هو واضح إن هذه الدعوى انبثقت لقطع الطريق على أصحاب الحق
الشرعي في تسلم موقع القيادة الإسلامية المتمثلة بأئمة أهل البيت (ع)الذين
اذهب الله عنهم الرجس بنص القرآن الكريم، ولكنهم باعوا آخرتهم بدنياهم
فخسروا الدنيا والآخرة وكان من نتائجه جعل مقدرات العالم الإسلامي بيد كل
من هب ودب من الصبيان وضعاف العقول.
عدالة الصحابي في الميزان
والمضنون ضناً قوياً أن مسألة عدالة الصحابي قد بدأت في زمن الخليفة
الثاني، فهو الذي بذر بذرتها وروى أغصانها حتى أزهرت وأينعت وآتت أكلها في
زمن معاوية بن أبي سفيان، الذي بنى عليها بنيانه ليس حباً بهم وإنما بغضاً
لعلي (ع)وآل علي (ع)، وهذا الأمر ظهر جلياً من فلتات لسانه بين الحين
والأخر كما ذكره جل المؤرخون . ومع اتفاقهم على هذا الأمر في الكبرى فقد
اختلفوا فيما بينهم في الصغرى، فمنهم من قال أن مذهب الصحابي حجة مطلقا،
وآخر إلى انه حجة إن خالف القياس، وثالث إلى إن الحجة في قول أبي بكر وعمر
خاصة... ورابع إلى إن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا. وقال
الغزالي: ( إن جميع هذه الأقوال باطله ) وهذا الاختلاف والتردد الذي وقع
فيه علماء أهل السنة في هذه المسألة يجعل الأمر وكأنه أمر دبر بليل إضافة
إلى أن هذه الفكرة لا تعتمد على أي أساس شرعي متين، ولعل مقالة الغزالي
تشير إلى هذا الأمر الواضح.
الغلو في سنة الشيخين
لم يكتفِ أصحاب هذا المبدأ بدعم وتثبيت نظرية عدالة الصحابة جميعهم، بل
ذهبوا إلى اشتراط العمل بكتاب الله وسنة نبيه (ص)وسيرة الشيخين في عقد
البيعة لمن يخلف الخليفة الثاني، وبذلك أقرت سيرة الشيخين مصدراً من مصادر
التشريع جنباً إلى جنب مع كتاب الله وسنة رسوله (ص)، وكما هو معلوم رجح هذا
الشرط كفة عثمان بن عفان على الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب (ع)لأنهم
اشترطوا عليه العمل سنة الشيخين، الذي وقف معها الإمام أمير المؤمنين
(ع)موقف الرفض المطلق. حتى جاء بالحكم بقوة الجماهير بعد مقتل عثمان. وبعد
هذا العرض المفصل يتبين بما لا يقبل مجالاً للشك إن الغلو بدأ شيئاً فشيئاً
يتوسع ويتمدد على حساب الأسس الواضحة للدين الإسلامي الحنيف المتمثل بإتباع
النبي (ص) وآله (ع).
الصحابة في الفكر الأمامي :
وأمام هذا المد المنحرف في تثبيت هذا المبدأ وهو عدالة الصحابي في مقابل
إقصاء الخلفاء الشرعيين، وقف أتباع أئمة أهل البيت (ع)تبعاً لائمتهم (ع)في
توضيح الصورة الحقيقية للإسلام المحمدي الأصيل، كما نجد ذلك واضحا في رأي
الشيعة في الصحابة على رغم اعتداله وعقلانيته تعرّض لحملة شعواء من قبل
الناصبيين وأصحاب الأغراض الدنيئة، وقد طبل وزمر الكثير على هذه الأنغام
الشيطانية والأموية. وفي هذا الصدد قال السيد شرف الدين (قد): إن من وقف
على رأينا في الصحابة علم انه أوسط الآراء، إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة
الذين كفرّوهم جميعاً، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثقوهم أجمعين، فإن
الكاملية ومن كان في الغلو على شاكلتهم، قالوا: بكفر الصحابة كافة، وقال
أهل السنة: بعدالة كل فرد ممن سمع النبي (ص)أو رآه من المسلمين مطلقاً،
واحتجوا بحديث كل من دب أو درج منهم أجمعين أكتعين أبصعين، أما نحن فإن
الصحبة بمجردها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة لكنها– بما هي ومن حيث هي هي–
غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال منهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم،
وأولياء هؤلاء وفيهم البغاة، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول
الحال، فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة .
تهمة الغلو في الطالبيين :
وقد امتدت الألسنة لتلوك أتباع أهل البيت (ع)من خلال تهمة الغلو في حب
الطالبيين وكأن الطالبيين قوم من الأعراب أو الأعاجم أو من أعداء الدين،
فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد انبرى السيد شرف الدين (قد)لتفنيدها بقوله:
وقد زعم بعضهم أنا غلونا في حب الطالبيين، وقد رد هذه الفرية الفاضحه السيد
شرف الدين بقوله: والحق الذي يعلمه الله تعالى أن الشيعة الأمامية لم يغلوا
ولم يقّلوا، بل كانوا امة وسطا بين الغالية والقالية، وهذا ما ثبتته كتبهم
الكلامية بادلتها القاطعة وحججها البالغة، فليراجعها من يبتغي الحق الجلي.
ثم يضيف السيد شرف الدين قائلاً: وكيف ينسب إلينا الغلو في الطالبيين مع
إنا قد نؤثر الحبشي على الطالبي، وذلك إذا أحرزنا العدالة في الأول دون
الثاني... ولاغرو فإن الله عز وجل خلق الجنة لمن أطاع، والنار لمن عصاه
(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) نعم، نحب الطالبيين
وسائر الهاشميين، ولاسيما الفاطميون وان من مذهبنا مودتهم، ولوكره الأمويون
والخوارج والنواصب، ورمونا بالدواهي والطامات... نؤدي بمودتهم أجر الرسالة
مخلصين لله في حب أوليائه، كما قال الشيخ إبن العربي
رأيت ولائي آل طه فريضة
على رغم أهل البعد يورثني القربى .
أقول ومن هذا وذاك ثبت أن أتباع أهل البيت (ع)هم المدافعون الحقيقيون عن
الصحابة وعن قرابة رسول الله (ص)لا يفرقون بين أحد وآخر إلا بالتقوى وهذا
هو ميزان الإسلام الحقيقي كما أراده الله لا ما يدّعونه من موازين وأحكام
ما أنزل الله بها من سلطان.
البخاري والغلو:
رغم ما امتاز به البخاري من شهرة واسعة في أوساط أهل السنة نتيجة لما وقع
لكتابه من قبول لدى أوساط واسعة من أهل السنة، حتى جعلوه بمرتبة الكتاب
الثاني بعد القرآن الكريم وسموه بالصحيح. وحثّوا على حفظه وتعظيمه.ورغم ذلك
فقد ذكر بعض العلماء أموراً ينبغي الوقوف عندها ملياً:
فقد صرح بعض علماء الجمهور من أهل السنة من أن البخاري حدّث عن المتهم في
دينه كعباد بن يعقوب الرواجي، واحتج بحديث من اشتهر عن النصب والبغض لعلي
(ع)كمحمد بن زياد الابهاني وحريز بن عثمان الرحبي، واتفق البخاري ومسلم على
الاحتجاج بحديث أبي معاوية وعبيد الله بن موسى وقد اشتهر عنهما الغلو...
اجمع علماء بخارى على إخراجه منها وطرده بأسوء حال... على أن الكرماني شارح
البخاري قد روى في أوائل شرحه ما يدل على ان صحيح البخاري لم يتم في أيام
حياته بل كان كثيرا من مواضعه مبيضا وكان على حواشيه ملحقات وعلى أوساطه
قطعات استصعبوا الاهتداء إلى مواضع ربطها وإنما رتبه عدة من تلامذته
البخاريين ...
وهنا نستشهد بما رواه البخاري في صحيحه:
روى في صحيحه: إن النبي (ص)قال: لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل
رجال يكلمون– أي تحدثهم الملائكة– من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من
أمتي احد فعمر . أليس هذا غلواً في رجل حكم على نفسه بالجهل أمام النساء
فضلا عن الرجال. ونختم بما أشار الدهلوي في كلام الغزالي: أفضت الخلافة إلى
قوم تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والإحكام، فاضطروا إلى
الاستعانة بالفقهاء والى استصحابهم في جميع أحوالهم. وقد كان بقي من
العلماء من هو مستمر على الطراز الأول، وملازم صف الدين. فكانوا إذا طُلبوا
هربوا وأعرضوا، فرأى أهل تلك ألأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة عليهم مع
إعراضهم فاشرأبوا لطلب العلم توصيلا إلى نيل العز ودرك الجاه، فأصبح
الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد إن كانوا أعزه بالإعراض عن
السلاطين أذله بالإقبال عليهم .
الغلو والفرس
وقد أنجزت وتوسعت هذه الاتهامات لجميع من انتسب إلى معارضة هذا الاتجاه
وعلى رأسهم أئمة أهل البيت (ع)وأتباعهم وشيعتهم فتحملوا من جراء ذلك شتى
صنوف التعذيب والإبعاد ولقد رمى بعض الكتاب والمستشرقين الأمة الفارسية
بالغلو وأرجعوا سبب نشوء التشيع والغلو إليهم وقد رد هذه الفرية الكثير من
الكتاب والمستشرقين المنصفين. فقد قال المستشرق آدم متز: إن مذهب الشيعة
ليس كما يعتقد البعض رد فعل من جانب الروح الإيرانية، يخالف الإسلام. فقد
كانت جزيرة العرب شيعة كلها عدا المدن الكبرى، مثل مكة وتهامة وصنعاء، وكان
للشيعة غلبه في بعض المدن أيضاً، مثل عُمان وهجر وصعده. أما إيران فكانت
كلها سنة ماعدا قم وكان أهل أصفهان يغالون في معاوية، حتى اعتقد بعض أهلها
أنه نبي مرسل، كما نقل المقدسي. وإذا كان الفرس هم سبب التشيع في إيران
وغير إيران، فهل جاء غلو بعض أهالي أصفهان في معاوية أو رفعه إلى منصب
النبوة والرسالة، هل جاء هذا الغلو في معاوية نتيجة لتشيع الفرس!. انه
لغريب حقاً منطق خصوم الشيعة، كما قال الدكتور طه حسين: قالوا إن الغلو في
علي جاء من الفرس. ثم ينقل علم من علمائهم مثل المقدسي إن بعض الفرس غالى
في معاوية، حتى جعلوه نبيا مرسلا. ثم كيف ومن أين وصل التشيع إلى جزيرة
العرب؟ هل جاء إليها من الفرس، والتاريخ يقول: إن الفرس كانوا على التسنن
حين كان سكان الجزيرة العربية على التشيع؟ وهكذا يقع في التناقضات من يضفي
على التاريخ صفته الذاتية العدائية، ثم يبني عليه آراءه وأحكامه .وقال
المستشرق جولد تسيهر في هذا الصدد: إن من الخطأ القول بأن التشيع في منشئه،
ومراحل نموه يمثل الأثر التعديلي الذي أحدثته أفكار الأمم الإيرانية في
الإسلام، بعد أن اعتنقته، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية ، وهذا
الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية .ويقول الشيخ أبو زهرة في
هذا الموضوع: إما فارس وخراسان، وما وراءهما من بلدان الإسلام فقد هاجر
إليها كثيرون من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيعون فراراً بعقيدتهم من
الأمويين أولاً، ثم العباسيين ثانياً، وإن التشيع كان منتشراً في هذه
البلاد انتشاراً عظيما، قبل سقوط الدولة الأموية... فالفرس– إذن. تشيعوا
على أيدي العرب، ولم يخلقوا التشيع من تلقائهم كيداً للإسلام .أقول وبذلك
يتبين من هذه الشهادات أن التشيع ليس صناعة إيرانية كما يدعي أصحاب الاتجاه
المنحرف. وإنما كان ولا يزال يمثل روح الدين الإسلامي الخالي من الأمراض
والأهواء البعيدة عن الإسلام الذي جاء به الرسول الأعظم (ص)وطبّقه أئمة أهل
البيت (ع)وأتباعهم وشيعتهم عبر مختلف ادوار التاريخ الإسلامي قديما وحديثا.
أنشعاب بعض فرق الشيعة وانقراضها:
تعرض التشيع إلى حملات خارجية وداخلية لتفتيت قوته وإضعاف زخمه في روح
الأمة الإسلامية، ولما يأس الأمويون والعباسيون من نجاح خطتهم بالحملات
المنظمة لإبادة أتباع أهل البيت (ع)استعملوا طريقة الاختراقات الداخلية من
خلال استقلال بعض ضعاف النفوس بالانشقاق عن المذهب الحق أو عن طريق استعمال
طريقة الترهيب والترغيب حتى يتساقط ضعفاء النفوس على جيفهم وهداياهم
المضمخة بدماء المحرومين والمضلومين. وعلى إنه من السنن التاريخية وجود
الانشعابات في جميع الأديان السماوية كاليهودية والمسيحية والمجوسية
والإسلام، كما ظهر الانشعاب في مذاهبها أيضاً. والمذهب الشيعي لم يظهر فيه
أي أنشعاب إلا بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)فاعترفت أكثرية الشيعة بإمامه
علي بن الحسين (ع)، وذهب الأقلية منهم بالاعتقاد وبإمامة محمد بن الحنفية
إماماً رابعا لهم وهم الكيسانيه. وهو المهدي الموعود عندهم. ويعتقدون أنه
قد غاب في جبل رضوى وسيظهر يوماً.
الزيدية :
بعد وفاة الإمام السجاد (ع)اعتقد أكثرية الشيعة بإمامة ابنه محمد الباقر
(ع)، وذهب الأقلية منهم إلى التمسك بمذهب زيد الشهيد، واشتهروا بالزيدية .
الإسماعيلية:
بعد وفاة الإمام الصادق (ع)ذهب أكثرية الشيعة إلى الإمام موسى الكاظم (ع)،
واعتقد فريق من الشيعة إن إسماعيل ابن الإمام الأكبر هو الإمام السابع
والذي وافاه الأجل في زمن أبيه الصادق (ع)، وذهب البعض إلى إمامة عبد الله
الافطح، وذهب آخرون إلى إمامة محمد وتوقف بعض في إمامته، واعتبروه آخر
الأئمة .
الواقفية:
بعد استشهاد الإمام الكاظم (ع)، ذهب أكثرية الشيعة إلى إمامة ابنه الرض
(ع)، وتوقف جماعة في إمامة الكاظم (C)، واشتهروا بـ ( الواقفية ).وقد
انقرضت الفرق المذكورة التي انشعبت وظهرت أمام الأكثرية الشيعية، في زمن
قصير، عدا ( الزيدية ) و ( الإسماعيلية )
التشيع تهمة للمعتدلين:
إن التشيع عند المتقدمين من أهل الجرح والتعديل من أهل السنة، إنما هو
تفضيل الإمام علي (ع)على عثمان، وأما النيل والانتقاص من بني أمية فهو تشدد
في التشيع.وأما تفضيل الإمام علي (ع)على الشيخين فهو الرفض، حسب تعريفهم،
وإما النيل من الشيخين فهو الغلو في الرفض، حسب هذا التعريف .وبناءا على
هذا أدخلوا الكثير من أهل السنة في التشيع لمجرد اتهامهم بهذه التهم
المتقدمة. ولذا عدوا النسائي والحاكم من الشيعة وكذا عبد الرزاق صاحب–
المصنف .ومن المؤرخين عدوا محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ– من الشيعة
حيث ادخله الدكتور عبد العزيز محمد نور ولي في عداد الشيعة .وإما اليعقوبي
المؤرخ المعروف فقد تعرض للطعون من قبل خصومه لسببين:
الأول: الاهتمام بتراجم الأئمة من أهل البيت (ع).
الثاني: في فصول الخلافة، كان يقول: أيام أبي بكر، أيام عمر، أيام عثمان،
ثم قال: خلافة علي وبعدها خلافة الحسن. ثم عاد ليقول أيام معاوية، فجعله
بعضهم دليلا على الغلو في التشيع وليس هو كذلك، لان اليعقوبي كان موضوعيا
ودقيقا في كل ما نقله .
وممن تعرض لتهمة التشيع إبن أبي الحديد المعتزلي لا لشيء إلا لتتبعه وعرضه
آثار أمير المؤمنين (ع)رغم علمهم بعدم إيمانه بالولاية التي يعتقد بها
أتباع أهل البيت (ع)وهذه التهمة تعرض لها الكثير من الكتاب المنصفين كمحمود
أبو ريه وشيخ الأزهر محمود شلتوت وآخرين لا يمكن استقصاؤهم في هذه العجالة.
قسم شبهات وردود
مؤسسة الغري للمعارف الاسلامية