أعرب سماحة السيد الحكيم (مد ظله) عن بالغ سروره للقاء مختلف
الاتجاهات الثقافية المسلمة والغير مسلمة من أجل التعرف على
الحقائق ووجهات النظر والاطلاع على ما يمتلكه الآخرون.
وأضاف سماحته خلال لقائه وفداً فرنسياً مشتركاً ضم رئيس معهد
الغزالي ووفد الجامعة الكاثوليكية في باريس بمكتبه في النجف الأشرف بأن الابتعاد وعدم اللقاءات
يؤدي إلى الضبابية وتشويه الحقائق، مؤكداً سماحته بأن من أولى
أولويات مدرسة أهل البيت (ع) إهتمامها بالوصول إلى الحقيقة وفق
موازين وضوابط مرتبة توصل إلى الحقائق.
وساق سماحته أمثلة عن البعد وعدم التلاقي والتي تؤدي إلى تشويه
الحقيقة والنفور، مما ذكره أحد الأشخاص المسيحيين الملتزم بوصية
والده بعدم الاستماع إلى الاذاعة المسلمة التي تتلوا القرآن الكريم
لإمتلائها بالسب والنيل من السيد المسيح (عليه السلام)، واستطرد
سماحته قائلاً : (( وبفعل التلاقي غير المقصود مع المسلمين الشيعة
أخذ يسمع هذا الشخص بأن المسلمين عند ذكر السيد المسيح (سلام الله
عليه) يضاف إليه إشارات السلام والتقديس والمحبة، مما ولد لديه ردة
فعل تجاه ما سمعه من وصية والده وتولدت لديه فكرة أخرى نتيجة
إطلاعه على حقيقة ما يملكه المسلمون من قدسية للسيد المسيح (عليه
السلام) ومحبته.
وشدد سماحته على أن الاختلاف العقائدي لا ينبغي أن يؤدي إلى الفرقة
والتناحر وعدم التعايش السلمي بين الجميع، مشيراً في هذا لصدد إلى
شدة التقاطع التقاطع العقائدي بين الشيعة والطائفة اليزيدية والذي
لم ينعكس على حالة التعايش السلمي والانسجام في اشد الأزمات التي
تعرضوا لها على أيدي الإرهابيين في الموصل.
وأختتم سماحته حديثه في هذا المجال بقوله : (( أن الحوار والاتصال
وتلاقي الأفكار يؤدي بمجموعها إلى الانسجام والتعايش والابتعاد عن
الفرقة والتناحر )) .
وفي جانب آخر، أوضح سماحته أن تعاليم مدرسة أهل البيت (عليهم
السلام) تستمد توجهها وحركتها من تراث أئمتهم الطاهرين (سلام الله
عليهم) واحداً بعد واحد مشيراً سماحته على سبيل المثال إلى
المسيرات الولائية الحسينية المليونية المستمدة من تواصل الأتباع
مع أئمتهم (عليهم السلام) في حياتهم رغم بعد المسافات بين الأقطار
الإسلامية.
وبين سماحته بأن هذا التواصل أمتد إلى وقتنا الراهن بإرتباط
المؤمنين بالحوزة العلمية وعلمائها الأعلام وأخذ أحكام دينهم عبر
هذه المدرسة التي حافظت على حرفية الحكم الشرعي طيلة القرون
الماضية، واستقلاليتها عن السلطة السياسية المتغيرة التي تؤثر بفعل
سطوتها على تغيير أحكام الدين.
وخلّص سماحته إلى القول ( أن استقلال الحوزة العلمية عن السلطة رغم
تعرضها للعناء الكبير بسبب هذه الاستقلالية أن حافظت على جذورها
وتراثها طيلة القرون الأربعة عشر الماضية، وأنها منفتحة بفعل
إنتهاجها للحوار والبحث العلمي وعدم الإنكماش).
وفي رد سماحته على مداخلة من أحد الحضور الفرنسيين بأن الغرب ستمع
إلى الصوت القوي المردد في الإعلام، أورد سماحته:
لقد توجهت المرجعية الدينية بعيد سقوط النظام البائد إلى العمل على
إفهام العالم بأن المسلمين ليسو إرهابيين، وقد شاهد العالم بأسره
حجم المآسي التي تعرض لها الشيعة نتيجة الاستهداف الإرهابي الدموي
دون حصو ل ردة فعل وإنتقام، ولكم أن تلاحظوا حجم التغيير في الخطاب
الغربي بعد أحداث سبتمبر في نيويورك ورميه للمسلمين بأنهم
إرهابيين، وتغير الخطاب بعد الأحداث التي جرت في بريطانيا حيث
تغيرت النبرة وأخذو يميزون بين قسم من المسلمين الذين تبنوا العنف
وآخرين مسالمين بعيدون عن العنف كما هو حال الشيعة في العراق.
وأشار سماحته منبهاً إلى رسالته إلى الشعب العراقي بعيد السقوط
والمتضمنة توجيه الشعب العراقي إلى الصبر وعدم الانتقام والرد
والسعي لإعادة بناء البلاد.
وقد استمر هذا التوجه الحسن على طول المحنة أن أثمرت بالنظر إلى أن
الشيعة ليسوا أرباب عنف وإرهاب.
كما نبّه سماحته (مد ظله) إلى أن الوظيفة التي تضطلع بها المرجعية
الدينية والمتمثلة بتوجيه وإرشاد الناس والأخذ بأيديهم نحو جادة
الصواب وتعريفهم أحكام الدين دون التدخل بالتفاصيل والجزئيات
السياسية وتركها لأهل الشأن.
وأختتم سماحته الحديث بالدعاء إلى الباري (عز وجل) أن يشمل
المؤمنين بنظرته الرحيمة وأن يثبتهم على الهدى والصلاح وأن يتعاون
الجميع على البر والتقوى، داعياً الحضور إلى نقل هذه المعلومات
والتوجيهات إلى الآخرين والحث على إدامة اللقاءات والزيارات
والحوارات من أجل مصلحة المسلمين والانسانية.
وضم الوفد رئيس مهد الغزالي ومعاون عمدة مسجد باريس الكبير الأستاذ
الدكتور جلول صديقي والقس هنري وعدداً آخر من الأساتذة.